فصل: تفسير الآية رقم (77)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: التحرير والتنوير المسمى بـ «تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد»***


الجزء العشرون

تفسير الآيات رقم ‏[‏56- 58‏]‏

‏{‏فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آَلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ ‏(‏56‏)‏ فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ ‏(‏57‏)‏ وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ ‏(‏58‏)‏‏}‏

تقدم نظير هاته الآية في سورة الأعراف ‏(‏82‏)‏، وخالفتها هذه بوقوع العطف بالفاء في قوله ‏{‏فما كان جواب قومه‏}‏ دون الواو، وبقوله ‏{‏أخرجوا ءال لوط‏}‏ عوض ‏{‏أخرجوهم‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 82‏]‏ وبقوله ‏{‏قدرناها‏}‏ عوض ‏{‏كانت‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 83‏]‏، وبقوله ‏{‏فساء مطر المنذرين‏}‏ عوض ‏{‏فانظر كيف كان عاقبة المجرمين‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 84‏]‏‏.‏

فأما موقع الفاء هنا فهو لتعقيب الجملة المعطوفة بالفاء على التي قبلها تعقيب جزء القصة على أوله فلا تفيد إلا تعقيب الإخبار، وهي في ذلك مساوية للواو‏.‏ ولكن أوثر حرف التعقيب في هذه الآية لكونها على نسج ما حكيت به قصة ثمود في قوله تعالى ‏{‏فإذا هم فريقان يختصمون‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏ 45‏]‏، فالاختلاف بين هذه الآية وآية الأعراف تفنُّن في الحكاية، ومراعاة للنظير في النسج‏.‏ وهذا من أساليب قصص القرآن كما بينته في المقدمة السابعة من مقدمات هذا التفسير‏.‏

وكذلك قوله ‏{‏أخرجوا آل لوط‏}‏ دون ‏{‏أخرجوهم‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 82‏]‏ لأن المحكي من كلام القوم هو تآمرهم على إخراج آل لوط؛ فما هنا حكاية بمرادف كلامهم وما في الأعراف حكاية بالمعنى والغرض هو التفنّن أيضاً‏.‏

وكذلك الاختلاف بين ‏{‏قدرناها‏}‏ هنا وبين ‏{‏كانت في الأعراف‏}‏ ‏(‏83‏)‏‏.‏ وأما الاختلاف بين ‏{‏فساء مطر المنذرين‏}‏ وبين ‏{‏فانظر كيف كان عاقبة المجرمين‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 84‏]‏ فهما عبرتان بحالهم تفرعتا على وصف ما حلّ بهم فوزعت العبرتان على الآيتين لئلا يخلو تكرير القصة من فائدة‏.‏

والمراد بآل لوطٍ لوطٌ وأهل بيته لأن ربّ البيت ملاحظ في هذا الاستدلال كقوله تعالى ‏{‏أدخلوا ءال فرعون أشد العذاب‏}‏ ‏[‏غافر‏:‏ 46‏]‏، أراد فرعون وآله‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏59‏]‏

‏{‏قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آَللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ ‏(‏59‏)‏‏}‏

‏{‏المنذرين * قُلِ الحمد لِلَّهِ وسلام على عِبَادِهِ‏}‏

لما استوفى غرض الاعتبار والإنذار حقه بذكر عواقب بعض الأمم التي كذبت الرسل وهي أشبه أحوالاً بأحوال المكذبين بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالكتاب الذي أنزل عليه، وفي خلال ذلك وحَفَافيه تسلية النبي صلى الله عليه وسلم على ما يلقاه من قومه أقبل الله بالخطاب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم يلقنه ماذا يقوله عقب القصص والمواعظ السالفة استخلاصاً واستنتاجاً منها، وشكر الله على المقصود منها‏.‏

فالكلام استئناف والمناسبة ما علمت‏.‏ أمر الرسول بالحمد على ما احتوت عليه القصص السابقة من نجاة الرسل من العذاب الحال بقومهم وعلى ما أعقبهم الله على صبرهم من النصر ورفعة الدرجات‏.‏ وعلى أن أهلك الأعداء الظالمين كقوله ‏{‏فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 45‏]‏ ونظيره قوله في سورة العنكبوت ‏(‏63‏)‏ ‏{‏قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعقلون‏}‏ وقوله في آخر هذه السورة ‏(‏93‏)‏ ‏{‏وقل الحمد لله سيريكم‏}‏ الآية‏.‏ فأمر الرسول بحمد الله على ذلك باعتبار ما أفاده سوق تلك القصص من الإيماء إلى وعد الرسول بالنصر على أعدائه‏.‏ فقوله قل الحمد لله‏}‏ أمر للرسول صلى الله عليه وسلم بإنشاء حمد الله‏.‏ وقد تقدمت صيغة الحمد في أول الفاتحة‏.‏

وعطف على المأمور بأن يقوله من الحمد أمر بأن يتبعه بالسلام على الرسل الذين سبقوه قدراً لقدر ما تجشموه في نشر الدين الحق‏.‏

وأصل ‏{‏سلام‏}‏ سلمت سلاماً، مقصود منه الإنشاء فحذف الفعل وأقيم مفعوله المطلق بدلاً عنه‏.‏ وعدل عن نصب المفعول المطلق إلى تصييره مبتدأ مرفوعا للدلالة على الثبات والدوام كما تقدم عند قوله ‏{‏الحمد لله‏}‏ في أول سورة الفاتحة ‏(‏2‏)‏‏.‏

والسلام في الأصل اسم يقوله القائل لمن يلاقيه بلفظ‏:‏ سلام عليك، أو السلام عليك‏.‏ ومعناه سلامة وأمنٌ ثابت لك لا نكول فيه، لما تؤذن به ‏(‏على‏)‏ من الاستعلاء المجازي المراد به التمكن كما في ‏{‏أولئك على هدى من ربهم‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 5‏]‏‏.‏

وأصل المقصود منه هو التأمين عند اللقاء إذ قد تكون بين المتلاقين إحَن أو يكون من أحدهما إغراء بالآخر، فكان لفظ ‏(‏السلام عليك‏)‏ كالعهد بالأمان‏.‏ ثم لما كانت المفاتحة بذلك تدل على الابتداء بالإكرام والتلطف عند اللقاء ونية الإعانة والقرى، شاع إطلاق كلمة‏:‏ السلام عليك، ونحوها عند قصد الإعراب عن التلطف والتكريم وتنوسي ما فيها من معنى بذل الأمن والسلامة، فصار الناس يتقاولونها في غير مظان الريبة والمخافة فشاعت في العرب في أحيائهم وبيوتهم وصارت بمنزلة الدعاء الذي هو إعراب عن إضمار الخير للمدعو له بالسلامة في حياته‏.‏ فلذلك قال تعالى ‏{‏فإذا دخلتم بيوتاً فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة‏}‏ كما تقدم في سورة النور ‏(‏61‏)‏ وصار قول‏:‏ السلام، بمنزلة قول‏:‏ حياك الله، ولكنهم خصُّوا كلمة‏:‏ ‏(‏حياك الله‏)‏ بملوكهم وعظمائهم فانتقلت كلمة ‏(‏السلام عليكم‏)‏ بهذا إلى طور آخر من أطوار استعمالها من عهد الجاهلية وقد قيل إنها كانت تحية للبشر من عهد آدم‏.‏

ثم ذكر القرآن السلام من عند الله تعالى على معنى كونه معاملة منه سبحانه بكرامة الثناء وحسن الذكر للذين رضي الله عنهم من عباده في الدنيا كقوله حكاية عن عيسى إذ أنطقه بقوله ‏{‏والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 33‏]‏‏.‏ وكذلك في الآخرة وما في معناها من أحوال الأرواح بعد الموت كقوله عن عيسى ‏{‏ويوم أبعث حياً‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 33‏]‏، وقوله عن أهل الجنة ‏{‏لهم فيها فاكهة ولهم ما يدعون سلام قولاً من رب رحيم‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 57، 58‏]‏‏.‏

وجاء في القرآن السلام على خمسة من الأنبياء في سورة الصافات‏.‏ وأيضاً أمر الله الأمة بالسلام على رسولها فقال ‏{‏يأ أيها الذين ءامنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 56‏]‏ أي قولوا‏:‏ السلام عليك أيها النبي لأن مادة التفعيل قد يُؤتى بها للدلالة على قول منحوب من صيغة التفعيل، فقوله‏:‏ ‏{‏سلّموا تسليماً معناه‏:‏ قولوا كلمة السلام‏.‏ مثل بسمل، إذا قال‏:‏ بسم الله، وكبر، إذا قال‏:‏ الله أكبر‏.‏ وفي الحديث تسبحون وتحمدون وتكبرون دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين‏.‏

ومعنى وسلام على عباده الذين اصطفى‏}‏ إنشاء طلب من الله أن يسلم على أحد المصطفين، أي أن يجعل لهم ذكراً حسناً في الملأ الأعلى‏.‏

فإذا قال القائل‏:‏ السلام على فلان؛ وفلان غائب أو في حكم الغائب كان ذلك قرينة على أن المقصود الدعاء له بسلام من الله عليه‏.‏ فقد أزيل منه معنى التحية لا محالة وتعين للدعاء، ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين‏.‏ عن أن يقولوا في التشهد‏:‏ السلام على الله السلام على النبي السلام على فلان وفلان‏.‏ فقال لهم ‏"‏ إن الله هو السلام ‏"‏ أي لا معنى للسلام على الله في مقام الدعاء لأن الله هو المدعو بأن يسلم على من يطلب له ذلك‏.‏

فلما أمر تعالى في هذه السورة رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول ‏{‏سلام على عباده الذين اصطفى‏}‏ فقد عيّن له هذه الجملة ليقولها يسأل من الله أن يكرم عباده الذين اصطفى بالثناء عليهم في الملأ الأعلى وحسن الذكر، إذ قصارى ما يستطيعه الحاضر من جزاء الغائب على حسن صنيعه أن يبتهل إلى الله أن ينفحه بالكرامة‏.‏

والعباد الذين اصطفاهم الله في مقدمتهم الرسل والأنبياء ويشمل ذلك الصالحين من عباده كما في صيغة التشهد‏:‏ «السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين»‏.‏ وسيأتي الكلام على التسليم على النبي صلى الله عليه وسلم في سورة الأحزاب‏.‏

‏{‏اصطفى ءَآللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا‏}‏

4 هذا مما أمر الرسول عليه الصلاة والسلام أن يقوله فأمر أن يقول‏:‏ ‏{‏الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى‏}‏ تمهيداً لقوله‏:‏ ‏{‏آللَّه خير أما تشركون‏}‏ لأن العباد الذين اصطفاهم الله جاؤوا كلهم بحاصل هذه الجملة‏.‏

وأمر أن يشرع في الاستدلال على مسامع المشركين فيقول لهم هذا الكلام، بقرينة قوله ‏{‏أما تشركون‏}‏ بصيغة الخطاب في قراءة الجمهور، ولأن المناسب للاستفهام أن يكون موجهاً إلى الذين أشركوا بالله ما لا يخلق ولا يرزق ولا يفيض النعم ولا يستجيب الدعاء، فليس هذا لقصد إثبات التوحيد للمسلمين‏.‏

والاستفهام مستعمل في الإلجاء وإلزام المخاطب بالإقرار بالحق وتنبيهه على خطئه‏.‏ وهذا دليل إجمالي يقصد به ابتداء النظر في التحقيق بالإلهية والعبادة‏.‏ فهذا من قبيل ما قال الباقلاني وإمام الحرمين وابن فورك إن أول الواجبات أول النظر أو القصد إلى النظر ثم تأتي بعده الأدلة التفصيلية، وقد ناسب إجماله أنه دليل جامع لما يأتي من التفاصيل فلذلك جيء فيه بالاسم الجامع لمعاني الصفات كلها، وهو اسم الجلالة‏.‏ فقيل‏:‏ ‏{‏آللَّه خير‏}‏‏.‏ وجيء فيما بعد بالاسم الموصول لما في صلاته من الصفات‏.‏

وجاء ‏{‏خير‏}‏ بصيغة التفضيل لقصد مجاراة معتقدهم أن أصنامهم شركاء الله في الإلهية بحيث كان لهم حظ وافر من الخير في زعمهم، فعبّر ب ‏{‏خير‏}‏ لإيهام أن المقام لإظهار رجحان إلهية الله تعالى على أصنامهم استدراجاً لهم في التنبيه على الخطأ مع التهكم بهم إذ آثروا عبادة الأصنام على عبادة الله‏.‏ والعاقل لا يؤثر شيئاً على شيء إلا لداع يدعو إلى إيثاره، ففي هذا الاستفهام عن الأفضل في الخير تنبيه لهم على الخطأ المفرط والجهل المورط لتنفتح بصائرهم إلى الحق إن أرادوا اهتداء‏.‏ والمعنى‏:‏ ءالله الحقيق بالإلهية أم ما تشركونهم معه‏.‏

والاستفهام على حقيقته بقرينة وجود ‏{‏أم‏}‏ المعادلة للهمزة فإن التهكم يبنى على الاستعمال الحقيقي‏.‏

وهذا الكلام كالمقدمة للأدلة الآتية جميعها على هذا الدليل الإجمالي كما ستعلمه‏.‏‏.‏

وقرأ الجمهور ‏{‏تشركون‏}‏ بتاء الخطاب‏.‏ وقرأه أبو عمرو وعاصم ويعقوب بياء الغيبة فيكون القول الذي أمر به النبي صلى الله عليه وسلم محكياً بالمعنى روعي فيه غيبة المشركين في مقام الخطاب بالأمر‏.‏

و ‏{‏ما‏}‏ موصولة والعائد محذوف‏.‏ والتقدير‏:‏ ما يشركونها إياه، أي أصنامكم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏60‏]‏

‏{‏أَمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ ‏(‏60‏)‏‏}‏

‏{‏أم‏}‏ منقطعة بمعنى ‏(‏بل‏)‏ للإضراب الانتقالي من غرض إلى غرض مع مراعاة وجود معنى الاستفهام أو لفظه بعدها لأن ‏(‏أم‏)‏ لا تفارق معنى الاستفهام‏.‏ انتقل بهذا الإضراب من الاستفهام الحقيقي التهكمي إلى الاستفهام التقريري، ومن المقدمة الإجمالية وهي قوله ‏{‏ءالله خير أم ما تشركون‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏ 59‏]‏، إلى الغرض المقصود وهو الاستدلال‏.‏ عدد الله الخيرات والمنافع من آثار رحمته ومن آثار قدرته‏.‏ فهو استدلال مشوب بامتنان لأنه ذكرهم بخلق السموات والأرض فشمل ذلك كل الخلائق التي تحتوي عليها الأرض من الناس والعجماوات، فهو امتنان بنعمة إيجادهم وإيجاد ما به قوام شؤونهم في الحياة، وبسابق رحمته، كما عددها في موضع آخر عليهم بقوله ‏{‏الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شي سبحانه وتعالى عما يشركون‏}‏ ‏[‏الروم‏:‏ 40‏]‏‏.‏

و ‏{‏من‏}‏ للاستفهام‏.‏ وهي مبتدأ والخبر جملة ‏{‏خلق السموات‏.‏‏.‏‏}‏ الخ وهو استفهام تقريري على أن الله إله واحد لا شريك له، ولا تقدير في الكلام‏.‏ وذهب الزمخشري وجميع متابعيه إلى أن ‏(‏من‏)‏ موصولة وأن خبرها محذوف دل عليه قوله فيما تقدم ‏{‏ءالله خير‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏ 59‏]‏ وأن بعد ‏(‏أم‏)‏ همزة استفهام محذوفة، والتقدير‏:‏ بل أمّن خلق السموات الخ خير أم ما تشركون‏.‏ وهو تفسير لا داعي إليه ولا يناسب معنى الإضراب لأنه يكون من جملة الغرض الأول على ما فسر به في «الكشاف» فلا يجدر به إضراب الانتقال‏.‏

فالاستفهام تقرير كما دل عليه قوله في نهايته في ‏{‏أإله مع الله،‏}‏ فهو تقرير لإثبات أن الخالق والمنبت والرازق هو الله، وهو مشوب بتوبيخ، فلذلك ذيل بقوله ‏{‏بل هم قوم يعدلون‏}‏ كما سيأتي، أي من غرض الدليل الإجمالي إلى التفصيل‏.‏

والخطاب ب ‏{‏لكم‏}‏ موجه إلى المشركين للتعريض بأنهم ما شكروا نعمة الله‏.‏

وذكر إنزال الماء لأنه من جملة ما خلقه الله، ولقطع شبهة أن يقولوا‏:‏ إن المنبت للشجر الذي فيه رزقنا هو الماء، اغتراراً بالسبب فبودروا بالتذكير بأن الله خلق الأسباب وهو خالق المسببات بإزالة الموانع والعوارض العارضة لتأثير الأسباب وبتوفير القوى الحاصلة في الأسباب، وتقدير المقادير المناسبة للانتفاع بالأسباب، فقد ينزل الماء بإفراط فيجرف الزرع والشجر أو يقتلهما، ولذلك جمع بين قوله ‏{‏وأنزل‏}‏ وقوله ‏{‏فأنبتنا‏}‏ تنبيهاً على إزالة الشبهة‏.‏

ونون الجمع في ‏{‏أنبتنا‏}‏ إلتفات من الغيبة إلى الحضور‏.‏ ومن لطائفه هنا التنصيص على أن المقصود إسناد الإنبات إليه لئلا ينصرف ضمير الغائب إلى الماء لأن التذكير بالمنبت الحقيقي الذي خلق الأسباب أليق بمقام التوبيخ على عدم رعايتهم نعمه‏.‏

والإنبات‏:‏ تكوين النبات‏.‏

والحدائق‏:‏ جمع حديقة وهي البستان والجنة التي فيها نخل وعنب‏.‏ سميت حديقة لأنهم كانوا يحدقون بها حائطاً يمنع الداخل إليها صوناً للعنب لأنه ليس كالنخل الذي يعسر اجتناء ثمره لارتفاع شجره فهي بمعنى‏:‏ محدق بها‏.‏

ولا تطلق الحديقة إلا على ذلك‏.‏

والبهجة‏:‏ حسن المنظر لأن الناظر يبتهج به‏.‏

ومعنى ‏{‏ما كان لكم أن تنبتوا شجرها‏}‏ ليس في ملككم أن تنبتوا شجر تلك الحدائق، فاللام في ‏{‏لكم‏}‏ للملك و‏{‏أن تنبتوا‏}‏ اسم ‏{‏كان‏}‏ و‏{‏لكم‏}‏ خبرها‏.‏ وقدم الخبر على الاسم للاهتمام بنفي ملك ذلك‏.‏

وجملة ‏{‏أإله مع الله‏}‏ استئناف هو كالنتيجة للجملة قبلها لأن إثبات الخلق والرزق والإنعام لله تعالى بدليل لا يسعهم إلا الإقرار به ينتج أنه لا إله معه‏.‏

والاستفهام إنكاري‏.‏ و‏{‏بل‏}‏ للإضراب عن الاستفهام الإنكاري تفيد معنى ‏(‏لكن‏)‏ باعتبار ما تضمنه الإنكار من انتفاء أن يكون مع الله إله فكان حق الناس أن لا يشركوا معه في الإلهية غيره فجيء بالاستدراك لأن المخاطبين بقوله ‏{‏وأنزل لكم‏}‏ وقوله ‏{‏ما كان لكم أن تنبتوا شجرها‏}‏ لم ينتفعوا بالدليل مع أنه دليل ظاهر مكشوف، فهم مكابرون في إعراضهم عن الاهتداء بهذا الدليل، فهم يعدلون بالله غيره، أي يجعلون غيره عديلاً مثيلاً له في الإلهية مع أن غيره عاجز عن ذلك فيكون ‏{‏يعدلون‏}‏ من عدل الذي يتعدى بالباء، أو يعدلون عن الحق من عدل الذي يعدّى ب ‏(‏عن‏)‏‏.‏

وسُئل بعض العرب عن الحجاج فقال‏:‏ «قاسط عادل»، فظنوه أثنى عليه فبلغت كلمته للحجاج، فقال‏:‏ أراد قوله تعالى ‏{‏وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطباً‏}‏ ‏[‏الجن‏:‏ 15‏]‏ أي وذلك قرينة على أن المرار ب ‏(‏عادل‏)‏ أنه عادل عن الحق‏.‏

وأيَّاً مَّا كان فالمقصود توبيخهم على الإشراك مع وضوح دلالة خلق السموات والأرض وما ينزل من السماء إلى الأرض من الماء‏.‏

ولما كانت تلك الدلالة أوضح الدلالات المحسوسة الدالة على انفراد الله بالخلق وصف الذين أشركوا مع الله غيره بأنهم في إشراكهم معرضون إعراض مكابرة عدولاً عن الحق الواضح قال تعالى ‏{‏ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله‏}‏ ‏[‏لقمان‏:‏ 25‏]‏‏.‏

والإخبار عنهم بالمضارع لإفادة أنهم مستمرون على شركهم لم يستنيروا بدليل العقل ولا أقلعوا بعد التذكير بالدلائل‏.‏ وفي الإخبار عنهم بأنهم قوم إيماء إلى تمكن صفة العدول عن الحق منهم حتى كأنها من مقومات قوميتهم كما تقدم غير مرة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏61‏]‏

‏{‏أَمْ مَنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ‏(‏61‏)‏‏}‏

‏{‏أم‏}‏ للإضراب الانتقالي مثل أختها السابقة‏.‏ وهذا انتقال من الاستدلال المشوب بالامتنان إلى الاستدلال المجرد بدلائل قدرته وعلمه بأن خلق المخلوقات العظيمة وبتدبيره نظامها حتى لا يطغى بعضها على بعض فيختل نظام الجميع‏.‏

ولأجل كون الغرض من هذا الاستدلال إثبات عظم القدرة وحكمة الصنع لم يجيء خلاله بخطاب للمشركين كما جاء في قوله في الآية قبلها ‏{‏وأنزل لكم من السماء ماء‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏ 60‏]‏ الآية، وإن كان هذا الصنع العجيب لا يخلو من لطف بالمخلوقات أراده خالقها، ولكن ذلك غير مقصود بالقصد الأول من سوق الدليل هنا‏.‏

والقرار‏:‏ مصدر قرّ، إذا ثبت وسكن‏.‏ ووصف الأرض به للمبالغة، أي ذات قرار‏.‏ والمعنى جعل الأرض ثابتة قارّة غير مضطربة‏.‏ وهذا تدبير عجيب ولا يُدرك تمام هذا الصنع العجيب إلا عند العلم بأن هذه الأرض سابحة في الهواء متحركة في كل لحظة وهي مع ذلك قارّة فيما يبدو لسكانها فهذا تدبير أعجب، وفيه مع ذلك رحمة ونعمة‏.‏ ولولا قرارها لكان الناس عليها متزلزلين مضطربين ولكانت أشغالهم مُعنتة لهم‏.‏

ومع جعلها قراراً شقّ فيها الأنهار فجعلها خلالها‏.‏ وخلال الشيء‏:‏ منفرج ما بين أجزائه‏.‏ والأنهار تشق الأرض في أخاديد فتجري خلال الأرض‏.‏

والرواسي‏:‏ الجبال، جمع راسسٍ وهو الثابت‏.‏ واللام في ‏{‏لها‏}‏ لام العلة، أي الرواسي لأجلها أي لفائدتها، فإن في تكوين الجبال حكمة لدفع الملاسة عن الأرض ليكون سيرها في الكرة الهوائية معدلاً غير شديد السرعة وبذلك دوام سيرها‏.‏

وجعل الحاجز بين البحرين من بديع الحكمة، وهو حاجز معنوي حاصل من دفع كلا الماءين‏:‏ أحدهما الآخر عن الاختلاط به، بسبب تفاوت الثقل النسبي لاختلاف الأجزاء المركب منها الماء الملح والماء العذب‏.‏ فالحاحز حاجز من طبعهما وليس جسماً آخر فاصلاً بينهما، وتقدم في سورة النحل‏.‏

وهذا الجعل كناية عن خلق البحرين أيضاً لأن الحجز بينهما يقتضي خلقهما وخلق الملوحة والعذوبة فيهما‏.‏

ثم ذيّل بالاستفهام الإنكاري وبالاستدراك بجملة مماثلة لما ذُيّل به الاستدلال الذي قبلها على طريقة التكرير تعديداً للإنكار وتمهيداً للتوبيخ بقوله ‏{‏بل أكثرهم لا يعلمون‏.‏‏}‏ وأوثر هنا نفي صفة العلم عن أكثر المشركين لقلة من ينظر في دقائق هذه المصنوعات وخصائصها منهم فإن اعتياد مشاهدتها من أول نشأة الناظر يذهله عما فيها من دلائل بديع الصنع‏.‏ فأكثر المشركين يجهل ذلك ولا يهتدي بما فيه، أما المؤمنون فقد نبههم القرآن إلى ذلك فهم يقرأون آياته المتكرر فيها الاستدلال والنظر‏.‏

وهذه الدلائل لا تخلو عن نعمة من ورائها كما علمته آنفاً ولكنها سيقت هنا لإرادة الاستدلال لا للامتنان‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏62‏]‏

‏{‏أَمْ مَنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ ‏(‏62‏)‏‏}‏

ارتقى الاستدلال من التذكير بالتصرف الرباني في ذوات المخلوقات إلى التذكير بتصرفه في أحوال الناس التي لا يخلو عنها أحد في بعض شؤون الحياة وذلك حال الاضطرار إلى تحصيل الخير، وحال انتياب السوء، وحال التصرف في الأرض ومنافعها‏.‏ فهذه ثلاثة الأنواع لأحوال البشر‏.‏ وهي‏:‏ حالة الاحتياج، وحالة البؤس، وحالة الانتفاع‏.‏

فالأولى‏:‏ هي المضمنة في قوله ‏{‏أمن يجيب المضطر إذا دعاه‏}‏ فالمضطر هو ذو الضرورة أي الحالة المحوجة إلى الأشياء العسرة الحصول، وهذه مرتبة الحاجيات فالمرء محتاج إلى أمور كثيرة بها قوام أوده ليست متصلة بذاته مثل الأقوات والنكاح والملابس اللازمة فالمرء يتطلبها بوجوه من المعاوضات، وقد يتعسر بعضها وهي تتعسر بقدر وفرة منافعها وعزة حصولها فيسأل الله أن يعطيها‏.‏

والاضطرار‏:‏ افتعال من الضرورة لا من الضر‏.‏ وتقديره‏:‏ أنه نالته الضرورة فطاوعها‏.‏ وليس له فعل مجرد وإنما يقال‏:‏ اضطره كذا إلى كذا‏.‏

واللام في ‏{‏المضطر‏}‏ لتعريف الجنس المسمى بلام العهد الذهني، أي يجيب فرداً معهوداً في الذهن بحالة الاضطرار‏.‏

والإجابة‏:‏ إعطاء الأمر المسؤول‏.‏ والمعنى‏:‏ أن المضطر إذا دعا لتحصيل ما اضطر إليه فإنه لا يجيبه إلا الله بقطع النظر عن كونه يجيب بعضاً ويؤخر بعضاً‏.‏

وحالة البؤس‏:‏ هي المشار إليها بقوله ‏{‏ويكشف السوء‏.‏

والكشف‏:‏ أصله رفع الغشاء، فشبه السوء الذي يعتري المضرور بغشاء يحول دون المرء ودون الاهتداء إلى الخلاص تشبيه معقول بمحسوس‏.‏

وَرُمز إلى المشبه به بالكشف الذي هو من روادف الغشاء‏.‏ وهو أيضاً مستعار للإزالة بقرينة تعديته إلى السوء‏.‏ والمعنى‏:‏ من يزيل السوء‏.‏ وهذه مرتبة الضروري فإن معظمها أو جميعها حفظ من تطرق السوء إلى مهم أحوال الناس مثل الكليات وهي‏:‏ حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسب، والمال، والعرض‏.‏

والمعنى‏:‏ إن الله يكشف السوء عن المسوء إذا دعاه أيضاً فحذف من الجملة المعطوفة لدلالة ما ذكر مع الجملة المعطوف عليها، أي يكشف السوء عن المستاء إذا دعاه‏.‏

وظاهر التقييد بالظرف يقتضي ضمان الإجابة‏.‏ والواقع أن الإجابة منوطة بإرادة الله تعالى بحسب ما يقتضيه حال الداعي وما يقتضيه معارضه من أصول أخرى، والله أعلم بذلك‏.‏

وحالة الانتفاع‏:‏‏}‏ هي المشار إليها بقوله ‏{‏ويجعلكم خلفاء الأرض‏}‏ أي يجعلكم تعمرون الأرض وتجتنون منافعها، فضمن الخلفاء معنى المالكين فأضيف إلى الأرض على تقدير‏:‏ مالكين لها، والملك يستلزم الانتفاع بما ينتفع به منها‏.‏ وأفاد خلفاء بطريق الإلتزام معنى الوراثة لمن سبق، فكل حي هو خلف عن سلفه‏.‏ والأمة خلف عن أمة كانت قبلها جيلاً بعد جيل‏.‏ وهذا كقوله تعالى حكاية لقول نوح ‏{‏هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 61‏]‏‏.‏ وهذه مرتبة التحسيني‏.‏

وقد جمعت الآية الإشارة إلى مراتب المناسب وهو ما يجلب نفعاً أو يدفع ضرراً وهو من مسالك العلة في أصول الفقه‏.‏

ولما اقتضته الخلافة من تجدد الأبناء عقب الآباء والأجيال بعد الأجيال، وما اقتضته الاستجابة وكشف السوء من كثرة الداعين والمستائين عبر في أفعال الجعل التي تعلقت بها بصيغة المضارع الدال على التجدد بخلاف أفعال الجعل الأربعة التي في الآية قبلها‏.‏

ثم استؤنف عقب هذا الاستدلال باستفهام إنكاري تكريراً لما تقدم عقب الأدلة السابقة زيادة في تعداد خطئهم بقوله ‏{‏أإله مع الله قليلاً ما تذكرون‏.‏

وانتصب قليلاً‏}‏ على الحال من ضمير الخطاب في قوله ‏{‏ويجعلكم خلفاء الأرض‏}‏ أي فعل ذلك لكم وأنتم في حال قلة تذكركم، فتفيد الحال معنى التعجب من حالهم‏.‏

والتذكر‏:‏ من الذُّكر بضم الذال وهو ضد النسيان فهو استحضار المعلوم، أي قليلاً استحضاركم الافتقار إلى الله وما أنتم فيه من إنعامه فتهتدوا بأنه الحقيق بأن لا تشركوا معه غيره‏.‏ فالمقصود من التذكر التذكر المفيد استدلالاً‏.‏ و‏{‏ما‏}‏ مصدرية والمصدر هو فاعل ‏{‏قليلاً‏.‏

والقليل هنامكنّى به عن المعدوم لأن التذكر المقصود معدوم منهم، والكناية بالقليل عن المعدوم مستعملة في كلامهم‏.‏ وهذه الكناية تلميح وتعريض، أي إن كنتم تذكرون فإن تذكركم قليل‏.‏

وأصل تذكرون‏}‏ تتذكرون فأدغمت تاء التفعل في الذال لتقارب مخرجيهما تخفيفاً وهو إدغام سماعي‏.‏

وقرأ الجمهور ‏{‏تذكرون‏}‏ بتاء الخطاب‏.‏ وقرأه روح عن أبي عمرو وهشام عن ابن عامر بياء الغيبة على الالتفات من الخطاب إلى الغيبة، ففي قراءة الجمهور نكتة توجيه الخطاب إلى المشركين مكافحة لهم، وفي قراءة روح وهشام نكتة الإعراض عنهم لأنهم استأهلوا الإعراض بعد تذكرهم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏63‏]‏

‏{‏أَمْ مَنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ‏(‏63‏)‏‏}‏

‏(‏بل‏)‏ لإضراب الانتقال من نوع دلائل التصرف في أحوال عامة الناس إلى دلائل التصرف في أحوال المسافرين منهم في البر والبحر فإنهم أدرى بهذه الأحوال وأقدر لما في خلالها من النعمة والامتنان‏.‏

ذكر الهداية في ظلمات الليل في البرّ والبحر‏.‏ وإضافة الظلمات إلى البر والبحر على معنى ‏(‏في‏)‏‏.‏ والهُدى في هذه الظلمات بسير النجوم كما قال تعالى ‏{‏وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 97‏]‏‏.‏ فالله الهادي للسير في تلك الظلمات بأن خلق النجوم على نظام صالح للهداية في ذلك، وبأن ركّب في الناس مدارك للمعرفة بإرصاد سيرها وصعودها وهبوطها، وهداهم أيضاً بمهاب الرياح، وخوّلهم معرفة اختلافها بإحساس جفافها ورطوبتها، وحرارتها وبردها‏.‏

وبهذه المناسبة أُدمج الامتنان بفوائد الرياح في إثارة السحاب الذي به المطر وهو المعنيّ برحمة الله‏.‏ وإرساله الرياح هو خلق أسباب تكونها‏.‏

وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو ‏{‏نُشُرا‏}‏ بضمتين وبالنون‏.‏ وقرأه ابن عامر بالنون بضم فسكون‏.‏ وقرأ عاصم ‏{‏بُشْراً‏}‏ بالموحدة وبسكون الشين مع التنوين‏.‏ وقرأه حمزة والكسائي بفتح النون وسكون الشين‏.‏ وقد تقدم في سورة الفرقان ‏(‏48‏)‏ ‏{‏وهو الذي أرسل الرياح نشراً بين يدي رحمته‏}‏ وتقدم في سورة الأعراف ‏(‏57‏)‏ ‏{‏وهو الذي يرسل الرياح نشراً بين يدي رحمته‏}‏، وتوجيه هذه القراءات هنالك‏.‏

وذُيّل هذا الدليل بتنزيه الله تعالى عن إشراكهم معه آلهة لأن هذا خاتمة الاستدلال عليهم بما لا ينازعون في أنه من تصرف الله فجيء بعده بالتنزيه عن الشرك كله وذلك تصريح بما أشارت إليه التذييلات السابقة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏64‏]‏

‏{‏أَمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ‏(‏64‏)‏‏}‏

هذا انتقال إلى الاستدلال بتصرف الله تعالى بالحياة الأولى والثانية وبإعطاء المدد لدوام الحياة الأولى مدة مقدرة‏.‏ وفيه تذكير بنعمة الإيجاد ونعمة الإمداد‏.‏ والاستفهام تقريري لأنهم لا ينكرون أنه يبدأ الخلق وأنه يرزقهم‏.‏

وأدمج في خلال الاستفهام قوله ‏{‏ثم يعيده‏}‏ لأن تسليم بدئه الخلق يلجئهم إلى فهم إمكان إعادة الخلق التي أحالوها‏.‏ ولما كان إعادة الخلق محلّ جدل وكان إدماجها إيقاظاً وتذكيراً أعيد الاستفهام في الجملة التي عطفت عليه بقوله ‏{‏ومن يرزقكم من السماء والأرض‏}‏ ولأن الرزق مقارن لبدء الخلق فلو عطف على إعادة الخلق لتوهّم أنه يرزق الخلق بعد الإعادة فيحسبوا أن رزقهم في الدنيا من نعم آلهتهم‏.‏

وإذ قد كانوا منكرين للبعث ذُيّلت الآية بأمر التعجيز بالإتيان ببرهان على عدم البعث‏.‏

والبرهان‏:‏ الحجة‏.‏ وتقدم عند قوله تعالى ‏{‏يأيها الناس قد جاءكم برهان من ربّكم في آخر سورة النساء‏}‏ ‏(‏174‏)‏‏.‏

وإضافة البرهان إلى ضمير المخاطبين وهم المشركون مشير إلى أن البرهان المُعَجّزين عليه هو برهان عدم البعث، أي إن كنتم صادقين فهاتوه لأن الصادق هو الذي قوله مطابق للواقع‏.‏ والشيء الواقع لا يعدم دليلاً عليه‏.‏

وجُماع ما تقدم في هذه الآيات من قوله ‏{‏آلله خير أما تشركون‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏ 59‏]‏ أنها أجملت الاستدلال على أحقية الله تعالى بالإلهية وحده ثم فصّلت ذلك بآيات ‏{‏أمن خلق السموات والأرض إلى قوله قل هاتو برهانكم إن كنتم صادقين‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏ 60 64‏]‏ فابتدأت بدليل قريب من برهان المشاهدة وهو خلق السموات والأرض وما يأتي منهما من خير للناس‏.‏ ودليل كيفية خلق الكرة الأرضية وما على وجهها منها، وهذا ملحق بالمشاهدات‏.‏

وانتقلت إلى استدلال من قبيل الأصول الموضوعة وهو ما تمالأ عليه الناس من اللجأ إلى الله تعالى عند الاضطرار‏.‏

وانتقلت إلى الاستدلال عليهم بما مكّنهم من التصرف في الأرض إذ جعل البشر خلفاء في الأرض، وسخر لهم التصرّف بوجوه التصاريف المعينة على هذه الخلافة، وهي تكوين هدايتهم في البر والبحر‏.‏ وذلك جامع لأصول تصرفات الخلافة المذكورة في الارتحال والتجارة والغزو‏.‏

وختم ذلك بكلمة جامعة لنعمتي الإيجاد والإمداد وفي مطاويها جوامع التمكن في الأرض‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏65- 66‏]‏

‏{‏قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ‏(‏65‏)‏ بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآَخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ ‏(‏66‏)‏‏}‏

لما أبطلت الآيات السابقة إلهية أصنام المشركين بالأدلة المتظاهرة فانقطع دابر عقيدة الإشراك ثني عنان الإبطال إلى أثر من آثار الشرك وهو ادعاء علم الغيب بالكهانة وإخبار الجن، كما كان يزعمه الكهان والعرافون وسدنة الأصنام‏.‏ ويؤمن بذلك المشركون‏.‏ وفي «معالم التنزيل» وغيره نزلت في المشركين حين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن وقت قيام الساعة فما كان سؤالهم عن ذلك إلا لظنهم أن ادعاء العلم بوقتها من شأن النبوءة توصلاً لجحد النبوءة إن لم يعين لهم وقت الساعة فأبطلت الآية هذه المزاعم إبطالاً عاماً معياره الاستثناء بقوله ‏{‏إلا الله‏.‏‏}‏ وهو عام مراد به الخصوص أعني خصوص الكهان وسدنة بيوت الأصنام‏.‏ وإنما سلك مسلك العموم لإبطال ما عسى أن يزعم من ذلك، ولأن العموم أكثر فائدة وأوجز، فإن ذلك حال أهل الشرك من بين من في السماوات والأرض‏.‏ فالقصد هنا تزييف آثار الشرك وهو الكهانة ونحوها‏.‏ وإذ قد كانت المخلوقات لا يعدون أن يكونوا من أهل السموات أو من أهل الأرض لانحصار عوالم الموجودات في ذلك كان قوله ‏{‏لا يعلم من في السموات والأرض الغيب‏}‏ في قوة لا يعلم أحد الغيب، ولكن أطنب الكلام لقصد التنصيص على تعميم المخلوقات كلها فإن مقام علم العقيدة مقام بيان يناسبه الإطناب‏.‏

واستثناء ‏{‏إلا الله‏}‏ منه لتأويل ‏{‏من في السماوات والأرض‏}‏ بمعنى‏:‏ أحد، فهو استثناء متصل على رأي المحققين وهو واقع من كلام منفي‏.‏ فحق المستثنى أن يكون بدلاً من المستثنى منه في اللغة الفصحى فلذلك جاء اسم الجلالة مرفوعاً ولو كان الاستثناء منقطعاً لكانت اللغة الفصحى تنصب المستثنى‏.‏

وبعد فإن دلائل تنزيه الله عن الحلول في المكان وعن مماثلة المخلوقات متوافرة فلذلك يجري استعمال القرآن والسنة على سنن الاستعمال الفصيح للعلم بأن المؤمن لا يتوهم ما لا يليق بجلال الله تعالى‏.‏ ومن المفسرين من جعل الاستثناء منقطعاً وقوفاً عند ظاهر صلة ‏{‏من في السماوات والأرض‏}‏ لأن الله ينزّه عن الحلول في السماء والأرض‏.‏

وأما من يتفضل الله عليه بأن يظهره على الغيب فذلك داخل في علم الله قال تعالى ‏{‏عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً إلا من ارتضى من رسول‏}‏ ‏[‏الجن‏:‏ 26، 27‏]‏‏.‏ فأضاف ‏(‏غيب‏)‏ إلى ضمير الجلالة‏.‏

وأردف هذا الخبر بإدماج انتفاء علم هؤلاء الزاعمين علم الغيب أنهم لا يشعرون بوقت بعثهم بل جحدوا وقوعه إثارة للتذكير بالبعث لشدة عناية القرآن بإثباته وتسفيه الذين أنكروه‏.‏ فذلك موقع قوله ‏{‏وما يشعرون أيان يبعثون،‏}‏ أي أن الذين يزعمون علم الغيب ما يشعرون بوقت بعثهم‏.‏

و ‏{‏أيان‏}‏ اسم استفهام عن الزمان وهو معلِّق فعل ‏{‏يشْعرون‏}‏ عن العمل في مفعوليه‏.‏ وهذا تورّكٌ وتعيير للمشركين فإنهم لا يؤمنون بالبعث بَلْةَ شعورهم بوقته‏.‏

و ‏{‏بل‏}‏ للإضراب الانتقالي من الإخبار عنهم ب ‏{‏لا يشعرون أيان يبعثون‏}‏ وهو ارتقاء إلى ما هو أغرب وأشد ارتقاء من تعييرهم بعدم شعورهم بوقت بعثهم إلى وصف علمهم بالآخرة التي البعث من أول أحوالها وهو الواسطة بينها وبين الدنيا بأنه علم متدارك أو مدرك‏.‏

وقرأ الجمهور ‏{‏إدَّارك‏}‏ بهمز وصل في أوله وتشديد الدال على أن أصله ‏(‏تدارك‏)‏ فأدغمت تاء التفاعل في الدال لقرب مخرجيها بعد أن سكنت واجتُلِب همز الوصل للنطق بالساكن‏.‏ قال الفراء وشمر‏:‏ وهو تفاعل من الدّرك بتفحتين وهو اللحاق‏.‏

وقد امتلكت اللغويين والمفسرين حيرة في تصوير معنى الآية على هذه القراءة تثار منه حيرة للناظر في توجيه الإضرابين اللذين بعد هذا الإضراب وكيف يكونان ارتقاء على مضمون هذا الانتقال، وذكروا وجوهاً مثقلة بالتكلف‏.‏

والذي أراه في تفسيرها على هذا الاعتبار اللغوي أن معنى التدارك هو أن علم بعضهم لَحِق علم بعض آخر في أمر الآخرة لأن العلم، وهو جنسٌ، لمّا أضيف إلى ضمير الجماعة حصل من معناه علوم عديدة بعدد أصناف الجماعات التي هي مدلول الضمير فصار المعنى‏:‏ تداركت علومهم بعضها بعضاً‏.‏

وذلك صالح لمعنيين‏:‏ أولهما‏:‏ أن يكون التدارك وهو التلاحق الذي هو استعمال مجازي يساوي الحقيقة، أي تداركت علوم الحاضرين مع علوم أسلافهم، أي تلاحقت وتتابعت فتلَّقى الخلف عن السلف علمَهم في الآخرة وتقلدوها عن غير بصيرة ولا نظر، وذلك أنهم أنكروا البعث ويشعر لذلك قوله تعالى عقبه ‏{‏وقال الذين كفروا أإذا كنّا تراباً وءاباؤنا أئنا لمخرجون لقد وعدنا هذا نحن وءاباؤنا من قبل إن هذا إلا أساطير الأولين‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏ 67 68‏]‏‏.‏ وقريب من هذا قوله تعالى في سورة المؤمنين ‏(‏81‏)‏ ‏{‏بل قالوا مثل ما قال الأولون‏}‏

الوجه الثاني‏:‏ أن يكون التدارك مستعملاً مجازاً مرسلاً في الاختلاط والاضطراب لأن التدارك والتلاحق يلزمه التداخل كما إذا لحقت جماعة من الناس جماعة أخرى أي لم يرسوا على أمر واختلفت أقوالهم اختلافاً يؤذن بتناقضها، فهم ينفون البعث ثم يزعمون أن الأصنام شفعاؤهم عند الله من العذاب، وهذا يقتضي إثبات البعث ولكنهم لا يعذبون ثم يتزودون تارة للآخرة ببعض أعمالهم التي منها‏:‏ أنهم كانوا يحبسون الراحلة على قبر صاحبها ويتركونها لا تأكل ولا تشرب حتى تموت فيزعمون أن صاحبها يركبها، ويسمونها البلية، فذلك من اضطراب أمرهم في الآخرة‏.‏

وفعل المضي على هذين الوجهين على أصله‏.‏ وحرف ‏(‏في‏)‏ على هاذين الوجهين في تفسيرها على قراءة الجمهور مستعمل في السببية، أي بسبب الآخرة‏.‏

ويجوز وجه آخر وهو أن يكون ‏{‏ادارك‏}‏ مبالغة في ‏(‏أدْرَك‏)‏ ومفعوله محذوفاً تقديره‏:‏ إدراكهم، أي حصل لهم علمهم بوقت بعثهم في اليوم الذي يبعثون فيه، أي يومئذ يوقنون بالبعث، فيكون فعل المضي مستعملاً في معنى التحقق، ويكون حرف ‏(‏في‏)‏ على أصله من الظرفية‏.‏

وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر ‏{‏بل أدرك‏}‏ بهمز قطع وسكون الدال، ومعناه؛ انتهى علمهم في الآخرة‏.‏ يقال‏:‏ أدرك، إذا فني‏.‏ وفي ثبوت معنى فني لفعل أدرك خلاف بين أيمة اللغة، فقد أثبته ابن المظفر في رواية شمّر عنه قال شمّر‏:‏ ولم أسمعه لغيره، وأثبته الزمخشري في «الكشاف» في هذه الآية وصاحب «القاموس»‏.‏ وقال أبو منصور‏:‏ هذا غير صحيح في لغة العرب وما علمت أحداً قال‏:‏ أدرك الشيء إذا فني‏.‏

وأقول قد ثبت في اللغة‏:‏ أدركت الثمار، إذا انتهى نضجها، ونسبه في «تاج العروس» لليث ولابن جني وحسبك بإثبات هؤلاء الأثبات‏.‏ قال الكواشي في «تبصرة المتذكر»‏:‏ المعنى فني علمهم في الآخرة من أدركت الفاكهة، إذا بلغت النضج وذلك مؤذن بفنائها وزوالها‏.‏

فحاصل المعنى على قراءة الجمهور ‏{‏وما يشعرون أيان يبعثون‏}‏ وقد تلقى بعضهم عن بعض ما يعلمون في شأن الآخرة وهو ما اشتهر عنهم من إنكار الحياة الآخرة، أو قد اضطرب ما يعلمونه في شأن الآخرة وأنهم سيعلمون ذلك لا محالة في يوم الدار الآخرة‏.‏

وحاصل المعنى على قراءة ابن كثير وأبي عمرو وأبي جعفر‏:‏ ما يشعرون أيّان يبعثون فإنهم لا علم لهم بالحياة الآخرة، أي جهلوا الحياة الآخرة‏.‏

أما عدد القراءات الشاذة في هذه الجملة فبلغت عشراً‏.‏

وأما جملة ‏{‏بل هم في شك منها‏}‏ فهو إضراب انتقال للارتقاء من كونهم اضطرب علمهم في الآخرة، أو تقلد خلفهم ما لقنه سلفهم، أو من أنهم انتفى عملهم في الآخرة إلى أن ذلك الاضطراب في العلم قد أثار فيهم شكاً من وقوع الآخرة‏.‏ و‏(‏من‏)‏ للابتداء المجازي، أي في شك ناشئ عن أمر الآخرة‏.‏ وجيء بالجملة الاسمية للدلالة على ثبات الخبر ودوامه، والظرفية للدلالة على إحاطة الشك بهم‏.‏

وجملة ‏{‏بل هم منها عمون‏}‏ ارتقاء ثالث وهو آخر درجات الارتقاء في إثبات ضلالهم وهو أنهم عميان عن شأن الآخرة‏.‏

و ‏{‏عمون‏}‏‏:‏ جمع عممٍ بالتنوين وهو فعل من العمى، صاغوا له مثال المبالغة للدلالة على شدة العمى، وهو تشبيه عدم العلم بالعمى، وعادم العلم بالأعمى‏.‏ وقال زهير‏:‏

وأعلم علم اليوم والأمس قبله *** ولكنني عن علم ما في غدً عم

فشبه ضلالهم عن البعث بالعمى في عدم الاهتداء إلى المطلوب تشبيه المعقول بالمحسوس‏.‏

و ‏(‏من‏)‏ في قوله ‏{‏منها عمون‏}‏ للابتداء المجازي، جعل عماهم وضلالهم في إثبات الآخرة كأنه ناشئ لهم من الآخرة إذ هي سبب عماهم، أي إنكارها سبب ضلالهم‏.‏ وفي الكلام مضاف محذوف تقديره‏:‏ من إنكار وجودها عمون، فالمجرور متعلق ب ‏{‏عمون‏}‏‏.‏ وقدم على متعلقه للاهتمام بهذا المتعلق وللرعاية على الفاصلة‏.‏ وصيغت الجملة الاسمية للدلالة على الثبات كما في قوله ‏{‏بل هم في شك منها‏}‏‏.‏

وترتيب هذه الاضرابات الثلاثة ترتيب لتنزيل أحوالهم؛ فوصفوا أولاً بأنهم لا يشعرون بوقت البعث ثم بأنهم تلقفوا في شأن الآخرة التي البعث من شؤونها علماً مضطرباً أو جهلاً فخبطوا في شك ومرية، فأعقبهم عمى وضلالة بحيث إن هذه الانتقالات مندرجة متصاعدة حتى لو قيل‏:‏ بل أدّارك علمهم في الآخرة فهم في شك منها فهم منها عمون لحصل المراد‏.‏

ولكن جاءت طريقة التدرج بالإضراب الانتقالي أجزل وأبهج وأروع وأدل على أن كلاً من هذه الأحوال المترتبة جدير بأن يعتبر فيه المعتبر باستقلاله لا بكونه متفرعاً على ما قبله، وهذا البيان هو ما أشرت إليه آنفاً عند الكلام على قراءة الجمهور ‏{‏أدّارك‏}‏ من خفاء توجيه الإضرابين اللذين بعد الإضراب الأول‏.‏

وضمائر جمع الغائبين في قوله ‏{‏يشعرون، ويبعثون، علمهم، هم في شك، هم منها عمون‏}‏ عائدة إلى ‏(‏من‏)‏ الموصولة في قوله تعالى ‏{‏قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله‏}‏‏.‏ و‏(‏من‏)‏ هذه وإن كانت من صيغ العموم فالضمائر المذكورة عائدة إليها بتخصيص عمومها ببعض من في الأرض وهم الذين يزعمون أنهم يعلمون الغيب من الكهان والعرّافين وسدنة الأصنام الذين يستقسمون للناس بالأزلام، وهو تخصيص لفظي من دلالة السياق وهو من قسم المخصص المنفصل اللفظي‏.‏ والخلاف الواقع بين علماء الأصول في اعتبار عود الضمير إلى بعض أفراد العام مخصصاً للعموم يقرب من أن يكون خلافاً لفظياً‏.‏ ومنه قوله تعالى ‏{‏وبُعُولَتُهنّ أحقّ بردهن‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 228‏]‏ فإن ضمير ‏{‏بعولتهن‏}‏ عائد إلى المطلقات الرجعيات من قوله تعالى ‏{‏والمطلقات يتربصن بأنفسهن‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 228‏]‏ الذي هو عام للرجعيات وغيرهن‏.‏

وبهذا تعلم أن التعبير ب ‏{‏الذين كفروا‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏ 67‏]‏ هنا ليس من الإظهار في مقام الإضمار لأن الذين كفروا أعم من ما صدق ‏(‏من‏)‏ في قوله ‏{‏لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب‏}‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏67- 68‏]‏

‏{‏وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآَبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ ‏(‏67‏)‏ لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآَبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ‏(‏68‏)‏‏}‏

أعقب وصف عماية الزاعمين علم الغيب بذكر شبهتهم التي أرتهم البعث مستحيل الوقوع، ولذلك أسند القول هنا إلى جميع الذين كفروا دون خصوص الذين يزعمون علم الغيب، ولذلك عطفت الجملة لأنها غايرت التي قبلها بأنها أعم‏.‏

والتعبير عنهم باسم الموصول لما في الموصول من الإيماء إلى علة قولهم هذه المقالة وهي ما أفادته الصلة من كونهم كافرين فكأنه قيل وقالوا بكفرهم أإذا كنا تراباً‏.‏‏.‏ إلى آخره استفهاماً بمعنى الإنكار‏.‏

أتوا بالإنكار في صورة الاستفهام لتجهيل معتقد ذلك وتعجيزه عن الجواب بزعمهم‏.‏ والتأكيد ب ‏{‏إنّ‏}‏ لمجاراة كلام المردود عليه بالإنكار‏.‏ والتأكيد تهكم‏.‏

وقرأ نافع وأبو جعفر ‏{‏إذا كنا تراباً‏}‏ بهمزة واحدة هي همزة ‏(‏إذا‏)‏ على تقدير همزة استفهام محذوفة للتخفيف من اجتماع همزتين، أو بجعل ‏(‏إذا‏)‏ ظرفاً مقدّماً على عامله والمستفهم عنه هو ‏{‏إنا لمخرجون‏}‏‏.‏

وقرأ أبو عمرو وعاصم وحمزة بهمزتين في ‏{‏أإذا وأإنا‏}‏ على اعتبار تكرير همزة الاستفهام في الثانية لتأكيد الأولى، إلا أن أبا عمرو خفف الثانية من الهمزتين في الموضعين وعاصماً وحمزة حققاهما‏.‏ وهؤلاء كهلم حذفوا نون المتكلم المشارك تخفيفاً من الثقل الناشئ من وقوع نون المتلكم بعد نون ‏(‏إن‏)‏‏.‏ وقرأ ابن عامر والكسائي ‏{‏أإذا‏}‏ بهمزتين و‏{‏إننا‏}‏ بهمزة واحدة وبنونين اكتفاء بالهمزة الأولى للاستفهام، وكلها استعمال فصيح‏.‏

وقد تقدم في سورة المؤمنين حكاية مثل هذه المقالة عن الذين كفروا إلا أن اسم الإشارة الأول وقع مؤخراً عن ‏{‏نحن في سورة المؤمنين‏}‏ ‏(‏83‏)‏ ووقع مقدماً عليه هنا، وتقديمه وتأخيره سواء في أصل المعنى لأنه مفعول ثاننٍ ل ‏{‏وعدنا‏}‏ وقع بعد نائب الفاعل في الآيتين‏.‏ وإنما يتجه أن يُسأل عن تقديمه على توكيد الضمير الواقع نائباً على الفاعل‏.‏ وقد ناطها في «الكشاف» بأن التقديم دليل على أن المقدم هو الغرض المعتمد بالذكر وبسوق الكلام لأجله‏.‏ وبينه السكاكي في «المفتاح» بأن ما وقع في سورة المؤمنين كان بوضع المنصوب بعد المرفوع وذلك موضعه‏.‏ وأما ما في سورة النمل فقدم المنصوب على المرفوع لكونه فيها أهم، يدلك على ذلك أن الذي قبله ‏{‏إذا كنا تراباً وءاباؤنا‏}‏ والذي قبل آية سورة المؤمنين ‏{‏أإذا متنا وكنا تراباً وعظاماً‏}‏ ‏[‏المؤمنون‏:‏ 82‏]‏ فالجهة المنظور فيها هناك ‏(‏في سورة المؤمنين‏)‏ هي كون أنفسهم تراباً وعظاماً، والجهة المنظور فيها هنا في سورة النمل هي كون أنفسهم وكون آبائهم تراباً لا جزء هناك من بناهم ‏(‏جمع بنية‏)‏ على أي باقياً صورة نفسه ‏(‏أي على صورته التي كان عليها وهو حي‏)‏‏.‏ ولا شبهة أنها أدخل عندهم في تبعيد البعث فاستلزم زيادة الاعتناء بالقصد إلى ذكره فصيره هذا العارض أهم اه‏.‏

وحاصل الكلام أن كل آية حكت أسلوباً من مقالهم ‏{‏بل قالوا مثل ما قال الأولون‏.‏‏.‏‏.‏ قالوا أإذا متنا‏}‏ ‏[‏المؤمنون‏:‏ 81، 82‏]‏ ‏{‏لقد وُعدنا هذا نحن وءاباؤنا‏}‏‏.‏

وبعد فقد حصل في الاختلاف بين أسلوب الآيتين تفنن كما تقدم في المقدمة السابعة‏.‏

والأساطير‏:‏ جمع أسطورة، وهي القصة والحكاية‏.‏ وتقدم الكلام على ذلك عند قوله تعالى ‏{‏وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين‏}‏ في سورة النحل ‏(‏24‏)‏‏.‏ والمعنى‏:‏ ما هذا إلا كلام معاد قاله الأولون وسطّروه وتلقفه من جاء بعدهم ولم يقع شيء منه‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏69‏]‏

‏{‏قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ ‏(‏69‏)‏‏}‏

أُمر الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يقول لهم هذه الكلمة ولذلك فصل فعل ‏{‏قل‏}‏ وتقدم نظيره في سورة الأنعام ‏(‏11‏)‏‏.‏ والمناسبة في الموضعين هي الموعظة بحال المكذبين لأن إنكارهم البعث تكذيب للرسول وإجرام‏.‏ والوعيد بأن يصيبهم مثل ما أصابهم إلا أنها هنالك عُطفت ب ‏{‏ثم انظروا‏}‏ وهنا بالفاء ‏{‏فانظروا‏}‏ وهما متئايلان‏.‏ وذكر هنالك ‏{‏عاقبة المكذبين‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 11‏]‏ وذكر هنا ‏{‏عاقبة المجرمين‏}‏‏:‏ والمكذبون مجرمون‏.‏ والاختلاف بين الحكايتين للتفنن كما قدمناه في المقدمة السابعة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏70‏]‏

‏{‏وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ ‏(‏70‏)‏‏}‏

كانت الرحمة غالبة على النبي صلى الله عليه وسلم والشفقة على الأمة من خلاله، فلما أُنذر المكذبون بهذا الوعيد تحركت الشفقة في نفس الرسول عليه الصلاة والسلام فربط الله على قلبه بهذا التشجيع أن لا يحزن عليهم إذا أصابهم ما أنذروا به‏.‏ وكان من رحمته صلى الله عليه وسلم حرصه على إقلاعهم عما هم عليه من تكذيبه والمكر به، فألقى الله في روعه رباطة جاش بقوله ‏{‏ولا تكن في ضيق مما يمكرون‏.‏

والضيق‏:‏ بفتح الضاد وكسرها، قرأه الجمهور بالفتح، وابن كثير بالكسر‏.‏ وحقيقته‏:‏ عدم كفاية المكان أو الوعاء لما يراد حلوله فيه، وهو هنا مجاز في الحالة الحرجة التي تعرض للنفس عند كراهية شيء فيحس المرء في مجاري نفسه بمثل ضيق عرض لها‏.‏ وإنما هو انضغاط في أعصاب صدره‏.‏ وقد تقدم عند قوله ‏{‏ولا تك في ضيق مما يمكرون‏}‏ في آخر سورة النحل ‏(‏127‏)‏‏.‏

والظرفية مجازية، أي لا تكن ملتبساً ومحوطاً بشيء من الضيق بسبب مكرهم‏.‏

والمكر تقدم عند قوله تعالى ‏{‏ومكروا ومكر الله‏}‏ في سورة آل عمران ‏(‏54‏)‏‏.‏ و‏(‏ما‏)‏ مصدرية، أي من مكرهم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏71- 72‏]‏

‏{‏وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ‏(‏71‏)‏ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ ‏(‏72‏)‏‏}‏

عطف على ‏{‏وقال الذين كفروا إذا كنا تراباً‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏ 67‏]‏‏.‏ والتعبير هنا بالمضارع للدلالة على تجدد ذلك القول منهم، أي لم يزالوا يقولون‏.‏

والمراد بالوعد ما أنذروا به من العقاب‏.‏ والاستفهام عن زمانه، وهو استفهام تهكم منهم بقرينة قوله ‏{‏إن كنتم صادقين‏}‏‏.‏

وأمر الله نبيه بالجواب عن قولهم لأن هذا من علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله ومن أطلعه على شيء منه من عباده المصطفين‏.‏

والجواب جار على الأسلوب الحكيم بحمل استفهامهم على حقيقة الاستفهام تنبيهاً على أن حقهم أن يسألوا عن وقت الوعيد ليتقدموه بالإيمان‏.‏

و ‏{‏عسى‏}‏ للرجاء، وهو مستعمل في التقريب مع التحقيق‏.‏

و ‏{‏ردف‏}‏ تبع بقرب‏.‏ وعدي باللام هنا مع أنه صالح للتعدية بنفسه لتضمينه معنى ‏(‏اقترب‏)‏ أو اللام للتوكيد مثل شكر له‏.‏ والمعنى‏:‏ رجاء أن يكون ذلك قريب الزمن‏.‏ وهذا إشارة إلى ما سيحل بهم يوم بدر‏.‏

وحذف متعلق ‏{‏تستعجلون‏}‏ أي تستعجلون به‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏73‏]‏

‏{‏وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ ‏(‏73‏)‏‏}‏

موقع هذا موقع الاستدراك على قوله ‏{‏عسى أن يكون ردف لكم بعض الذي تستعجلون‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏ 72‏]‏ أي أن تأخير العذاب عنهم هو من فضل الله عليهم‏.‏ وهذا خبر خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم تنبيهاً على أن تأخير الوعيد أثر من آثار رحمة الله لأن أزمنة التأخير أزمنة إمهال فهم فيها بنعمة، لأن الله ذو فضل على الناس كلهم‏.‏ وقد كنا قدمنا مسألة أن نعمة الكافر نعمة حقيقية أو ليست نعمة والخلاف في ذلك بين الأشعري والماتريدي‏.‏

والتعبير ب ‏{‏ذو فضل‏}‏ يدل على أن الفضل من شؤونه‏.‏ وتنكير ‏{‏فضل‏}‏ للتعظيم‏.‏ والتأكيد ب ‏{‏إن‏}‏ واللام منظور فيه إلى حال الناس لا إلى حال النبي صلى الله عليه وسلم فالتأكيد واقع موقع التعريض بهم بقرينة قوله ‏{‏ولكن أكثرهم لا يشكرون‏}‏‏.‏

و ‏{‏لكن‏}‏ استدراك ناشئ عن عموم الفضل منه تعالى فإن عمومه وتكرره يستحق بأن يعلمه الناس فيشكروه ولكن أكثر الناس لا يشكرون كهؤلاء الذين قالوا ‏{‏متى هذا الوعد‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏ 71‏]‏ فإنهم يستعجلون العذاب تهكماً وتعجيزاً في زعمهم غير قادرين قدر نعمة الإمهال‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏74‏]‏

‏{‏وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ ‏(‏74‏)‏‏}‏

موقع هذا موقع الاستئناف البياني لأن قوله ‏{‏وإن ربّك لذو فضل على الناس‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏ 73‏]‏ يثير سؤالاً في نفوس المؤمنين أن يقولوا‏:‏ إن هؤلاء المكذبين قد أضمروا المكر وأعلنوا الاستهزاء فحالهم لا يقتضي إمهالهم‏؟‏ فيجاب بأن الذي أمهلهم مطلع على ما في صدورهم وما أعلنوه وأنه أمهلهم مع علمه بهم لحكمة يعلمها‏.‏

وفيه إشارة إلى أنهم يكنون أشياء للنبيء صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين، منها‏:‏ أنهم يتربصون بهم الدوائر، وأنهم تخامر نفوسهم خواطر إخراجه وإخراج المؤمنين‏.‏ وهذا الاستئناف لما كان ذا جهة من معنى وصف الله بإحاطة العلم عطفت جملته على جملة وصف الله بالفضل، فحصل بالعطف غرض ثان مهم، وحصل معنى الاستئناف البياني من مضمون الجملة‏.‏

وأما التوكيد ب ‏{‏إن‏}‏ فهو على نحو توكيد الجملة التي قبله‏.‏ ولكَ أن تجعله لتنزيل السائل منزلة المتردد وذلك تلويح بالعتاب‏.‏

و ‏{‏تكن‏}‏ تخفي وهو من ‏(‏أكن‏)‏ إذا جعل شيئاً كانّاً، أي حاصلاً في كن‏.‏ والكنّ‏:‏ المسكن‏.‏ وإسناد ‏{‏تكن‏}‏ إلى الصدور مجاز عقلي باعتبار أن الصدور مكانه‏.‏ والإعلان‏:‏ الإظهار‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏75‏]‏

‏{‏وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ‏(‏75‏)‏‏}‏

عطف على جملة ‏{‏وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏ 74‏]‏‏.‏ وهو في معنى الذييل للجملة المذكورة لأنها ذكر منها علم الله بضمائرهم فذيل ذلك بأن الله يعلم كل غائبة في السماء والأرض‏.‏

وإنما جاء معطوفاً لأنه جدير بالاستقلال بذاته من حيث إنه تعليم لصفة علم الله تعالى وتنبيه لهم من غفلتهم عن إحاطة علم الله لما تكن صدورهم وما يعلنون‏.‏

والغائبة‏:‏ اسم للشيء الغائب والتاء فيه للنقل من الوصفية إلى الاسمية كالتاء في العافية، والعاقبة، والفاتحة‏.‏ وهو اسم مشتق من الغيب وهو ضد الحضور، والمراد‏:‏ الغائبة عن علم الناس‏.‏ استعمل الغيب في الخفاء مجازاً مرسلاً‏.‏

والكتاب يعبر به عن علم الله، استعير له الكتاب لما فيه من التحقق وعدم قبول التغيير‏.‏ ويجوز أن يكون مخلوقاً غيبياً يسجل فيه ما سيحدث‏.‏

والمبين‏:‏ المفصل، لأن الشيء المفصل يكون بيّناً واضحاً‏.‏ والمعنى‏:‏ أن الله لا يعزب عن علمه حقيقة شيء مما خفي على العالمين‏.‏ وذلك يقتضي أن كل ما يتلقاه الرسل من جانب الله تعالى فهو حق لا يحتمل أن يكون الأمر بخلافه‏.‏ ومن ذلك ما كان الحديث فيه من أمر البعث الذي أنكروه وكذبوا بما جاء فيه‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏76‏]‏

‏{‏إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ‏(‏76‏)‏‏}‏

إبطال لقول الذين كفروا ‏{‏إن هذا إلا أساطير الأولين‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏ 68‏]‏‏.‏ وله مناسبة بقوله ‏{‏وما من غائبة في السماء والأرض إلا في كتاب مبين‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏ 75‏]‏، فإن القرآن وحي من عند الله إلى رسوله محمد صلى الله عليه وسلم فكل ما فيه فهو من آثار علم الله تعالى فإذا أراد الله تعليم المسلمين شيئاً مما يشتمل عليه القرآن فهو العلم الحق إذا بلغت الأفهام إلى إدراك المراد منه على حسب مراتب الدلالة التي أصولها في علم العربية وفي علم أصول الفقه‏.‏

ومن ذلك ما اشتمل عليه القرآن من تحقيق أمور الشرائع الماضية والأمم الغابرة مما خبطت فيه كتب بني إسرائيل خبطاً من جراء ما طرأ على كتبهم من التشتت والتلاشي وسوء النقل من لغة إلى لغة في عصور انحطاط الأمة الإسرائيلية، ولما في القرآن من الأصول الصريحة في الإلهيات مما يكشف سوء تأويل بني إسرائيل لكلمات كتابهم في متشابه التجسيم ونحوه، فإنك لا تجد في التوراة ما يساوي قوله تعالى ‏{‏ليس كمثله شيء‏}‏ ‏[‏الشورى‏:‏ 11‏]‏‏.‏ فالمعنى‏:‏ نفي أن يكون أساطير الأولين بإثبات أنه تعليم للمؤمنين، وتعليم لأهل الكتاب‏.‏ وإنما قص عليهم أكثر ما اختلفوا وهو ما في بيان الحق منه نفع للمسلمين، وأعرض عما دون ذلك‏.‏ فموقع هذه الآية استكمال نواحي هدي القرآن للأمم فإن السورة افتتحت بأنه هدى وبشرى للمؤمنين، وأن المشركين الذين لا يؤمنون بالآخرة يعمهون في ضلالهم فلم ينتفعوا بهديه‏.‏ فاستكملت هذه الآية ما جاء به من هدي بني إسرائيل لما يهم مما اختلفوا فيه‏.‏

والتأكيد ب ‏{‏إن‏}‏ مثل ما تقدم في نظائره‏.‏ وأكثر الذي يختلفون فيه هو ما جاء في القرآن من إبطال قولهم فيما يقتضي إرشادهم إلى الحق أن يبين لهم، وغير الأكثر ما لا مصلحة في بيانه لهم‏.‏

ومن مناسبة التنبيه على أن القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر ما هم فيه مختلفون، أن ما قصه مما جرى بين ملكة سبأ مع سليمان كان فيه مما يخالف ما في كتاب الملوك الأول وكتاب الأيام الثاني ففي ذينك الكتابين أن ملكة سبأ تحملت وجاءت إلى أورشليم من تلقاء نفسها محبة منها في الاطلاع على ما بلغ مسامعها من عظمة ملك سليمان وحكمته، وأنها بعد ضيافتها عند سليمان قفلت إلى مملكتها‏.‏ وليس مما يصح في حكم العقل وشواهد التاريخ في تلك العصور أن ملكة عظيمة كملكة سبأ تعمد إلى الارتحال عن بلدها وتدخل بلد ملك آخر غير هائبة، لولا أنها كانت مضطرة إلى ذلك بسياسة ارتكاب أخف الضرين إذ كان سليمان قد ألزمها بالدخول في دائرة نفوذ ملكه، فكان حضورها لديه استسلاماً واعترافاً له بالسيادة بعد أن تنصلت من ذلك بتوجيه الهدية وبعد أن رأت العزم من سليمان على وجوب امتثال أمره‏.‏

ومن العجيب إهمال كُتّاب اليهود دعوة سليمان بلقيس إلى عقيدة التوحيد وهل يظن بنبي أن يقر الشرك على منتحليه‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏77‏]‏

‏{‏وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ‏(‏77‏)‏‏}‏

هذا راجع إلى قوله في طالع السورة ‏{‏هدى وبشرى للمؤمنين‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏ 2‏]‏ ذكر هنا لاستيعاب جهات هدي القرآن‏.‏ أما كونه هدى للمؤمنين فظاهر، وأما كونه رحمة لهم فلأنهم لما اهتدوا به قد نالوا الفوز في الدنيا بصلاح نفوسهم واستقامة أعمالهم واجتماع كلمتهم، وفي الآخرة بالفوز بالجنة‏.‏ والرسالة المحمدية وإن كانت رحمة للعالمين كلهم كما تقدم في قوله تعالى ‏{‏وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين‏}‏ في سورة ‏[‏الأنبياء‏:‏ 107‏]‏ فرحمته للمؤمنين أخص‏.‏

والتأكيد ب ‏{‏إن‏}‏ منظور فيه إلى المعرض كما تقدم في قوله ‏{‏وإن ربك لذو فضل على الناس‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏ 73‏]‏‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏78‏]‏

‏{‏إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ ‏(‏78‏)‏‏}‏

لما سبق ذكر المشركين بطعنهم في القرآن وتكذيبهم بوعيده، وذكر بني إسرائيل بما يقتضي طعنهم فيه بأنه لمخالفة ما في كتبهم، وذكر المؤمنين بأنهم اهتدوا به وكان لهم رحمة فهم موقنون بما فيه، تمخض الكلام عن خلاصة هي افتراق الناس في القرآن فريقين‏:‏ فريق طاعن، وفريق موقن، فلا جرم اقتضى ذلك حدوث تدافع بين الفريقين‏.‏ وهو مما يثير في نفوس المؤمنين سؤالاً عن مدى هذا التدافع، والتخالف بين الفريقين ومتى ينكشف الحق، فجاء قوله ‏{‏إن ربك يقضي بينهم بحكمه‏}‏ استئنافاً بيانياً فيعلم أن القضاء يقتضي مختلفين‏.‏ وأن كلمة ‏(‏بين‏)‏ تقتضي متعدداً، فأفاد أن الله يقضي بين المؤمنين بالقرآن والطاعنين فيه قضاء يبين المحق من المبطل‏.‏ وهذا تسلية للنبيء صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين عن استبطائهم النصر فإن النبي أول المؤمنين، وإنما تقلد المؤمنون ما أنبأهم به فالقضاء للمؤمنين قضاء له بادئ ذي بدء‏.‏

وفيه توجيه الخطاب إلى جناب الرسول صلى الله عليه وسلم وإسناد القضاء إلى الله في شأنه بعنوان أنه رب له إيماء بأن القضاء سيكون مرضياً له وللمؤمنين‏.‏ فجعل الرسول في هذا الكلام بمقام المبلغ وجعل القضاء بين أمته مؤمنهم وكافرهم، وتعجيل لمسرة الرسول بهذا اللإيماء‏.‏

وإذا قد أسند القضاء إلى الله وعلق به حكم مضاف إلى ضميره فقد تعين أن يكون المراد من المتعلق غير المتعلق به وذلك يلجيء‏:‏ إما إلى تأويل معنى إضافة الحكم بما يخالف معنى إسناد القضاء إذا اعتبر اللفظان مترادين لفظاً ومعنى، فيكون ما تدل عليه الإضافة من اختصاص المضاف بالمضاف إليه مقصوداً به ما اشتهر به المضاف باعتبار المضاف إليه‏.‏ وذلك أن الكل يعلمون أن حكم الله هو العدل ولأن المضاف إليه هو الحكم العدل‏.‏ فالمعنى على هذا‏:‏ أن ربك يقضي بينهم بحكمه المعروف المشتهر اللائق بعموم علمه واطراد عدله‏.‏

وإما أن يؤول الحكم بمعنى الحكمة وهو إطلاق شائع قال تعالى ‏{‏وكلاً ءاتينا حكماً وعلماً‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 79‏]‏ وقال ‏{‏وءاتيناه الحكم صبياً‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 12‏]‏ ولم يكن يحيى حاكماً وإنما كان حكيماً نبيئاً فيكون المعنى على هذا‏:‏ إن ربك يقضي بينهم بحكمته، أي بما تقتضيه الحكمة، أي من نصر المحق على المبطل‏.‏

ومآل التأويلين إلى معنى واحد وبه يظهر حسن موقع الاسمين الجليلين في تذييله بقوله ‏{‏وهو العزيز العليم‏}‏، فإن العزيز لا يصانع، والعليم لا يفوته الحق، ويظهر حسن موقع التفريغ بقوله‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏79‏]‏

‏{‏فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ ‏(‏79‏)‏‏}‏

فرعت الفاء على الإخبار بأن رب الرسول عليه الصلاة والسلام يقضي بين المختلفين في شأن القرآن أمراً للرسول بأن يطمئن بالاً ويتوكل على ربه فيما يقضي به فإنه يقضي له بحقه، وعلى معانده بما يستحقه، فالأمر بالتوكل مستعمل في كنايته وصريحه فإن من لازمه أنه أدى رسالة ربه، وأن إعراض المعرضين عن أمر الله ليس تقصيراً من الرسول صلى الله عليه وسلم وهو معنى تكرر في القرآن كقوله ‏{‏لعلك باخع نفسك‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 6‏]‏ وقوله ‏{‏ولا تحزن عليهم‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏ 70‏]‏‏.‏

والتوكل‏:‏ تفعل من وكل إليه الأمر، إذا أسند إليه تدبيره ومباشرته، فالتفعل للمبالغة‏.‏ وقد تقدم عند قوله تعالى ‏{‏فإذا عزمت فتوكل على الله‏}‏ في آل عمران ‏(‏159‏)‏، وقوله ‏{‏وعلى الله فتوكّلوا‏}‏ في المائدة ‏(‏23‏)‏ وقوله ‏{‏وعلى الله فليتوكل المؤمنون‏}‏ في سورة إبراهيم ‏(‏11‏)‏‏.‏

وقد وقعت جملة ‏{‏إنك على الحق المبين‏}‏ موقعاً لم يخاطب الله تعالى أحداً من رسله بمثله فكان ذلك شهادة لرسوله بالعظمة الكاملة المنزهة عن كل نقص، لما دل عليه حرف ‏{‏على‏}‏ من التمكن، وما دل عليه اسم ‏{‏الحق‏}‏ من معنى جامع لحقائق الأشياء‏.‏ وما دل عليه وصف ‏{‏مبين‏}‏ من الوضوح والنهوض‏.‏

وجاءت جملة ‏{‏إنك على الحق المبين‏}‏ مجيء التعليل للأمر بالتوكل على الله إشعاراً بأنه على الحق فلا يترقب من توكله على الحكم العدل إلا أن يكون حكمه في تأييده ونفعه‏.‏ وشأن ‏(‏إن‏)‏ إذا جاءت في مقام التعليل أن تكون بمعنى الفاء فلا تفيد تأكيداً ولكنها للاهتمام‏.‏

وجيء في فعل التوكل بعنوان اسم الجلالة لأن ذلك الاسم يتضمن معاني الكمال كلها، ومن أعلاها العدل في القضاء ونصر المحق‏.‏ وذلك بعد أن عجلت مسرة الإيماء إلى أن القضاء في جانب الرسول عليه الصلاة والسلام بإسناده القضاء إلى عنوان الرب مضافاً إلى ضمير الرسول كما تقدم آنفاً‏.‏

وتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي اقتضاه وجود مقتضي جلب حرف التوكيد لإفادة التعليل فلا يفيد التقديم تخصيصاً ولا تقوياً‏.‏

و ‏{‏المبين‏}‏‏:‏ الواضح الذي لا ينبغي الامتراء فيه ولا المصانعة للمحكوم له‏.‏

وفي الآية إشارة إلى أن الذي يعلم أن الحق في جانبه حقيق بأن يثق بأن الله مظهر حقه ولو بعد حين‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏80‏]‏

‏{‏إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ ‏(‏80‏)‏‏}‏

استئناف بياني جواباً عما يخطر في بال السامع عقب قوله ‏{‏إنك على الحق المبين‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏ 79‏]‏ من التساؤل عن إعراض أهل الشرك لما عليه الرسول من الحق المبين‏.‏ وهو أيضاً تعليل آخر للأمر بالتوكل على الله بالنظر إلى مدلوله الكنائي، فموقع حرف التوكيد فيه كموقعه في التعليل بالجملة التي قبله‏.‏ وهذا عذر للرسول صلى الله عليه وسلم وتسلية له، ولكونه تعليلاً لجانب من التركيب وهو الجانب الكنائي غير الذي علل بجملة ‏{‏إنك على الحق المبين‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏ 79‏]‏ لم تعطف هذه الجملة على التي قبلها تنبيهاً على استقلالها بالتعليل‏.‏

والإسماع‏:‏ إبلاغ الكلام إلى المسامع‏.‏

و ‏{‏الموتى‏}‏ و‏{‏الصم‏}‏‏:‏ مستعاران للقوم الذين لا يقبلون القول الحق ويكابرون من يقوله لهم‏.‏ شبهوا بالموتى على طريقة الاستعارة في انتفاء فهمهم معاني القرآن، وشبهوا بالصم كذلك في انتفاء أثر بلاغة ألفاظه عن نفوسهم‏.‏ وللقرآن أثران‏:‏

أحدهما‏:‏ ما يشتمل عليه من المعاني المقبولة لدى أهل العقول السليمة وهي المعاني التي يدركها ويسلم لها من تبلغ إليه ولو بطريق الترجمة بحيث يستوي في إدراكها العربي والعجمي وهذا أثر عقلي‏.‏

والأثر الثاني‏:‏ دلالة نظمه وبلاغته على أنه خارج عن مقدرة بلغاء العرب‏.‏ وهذا أثر لفظي وهو دليل الإعجاز وهو خاص بالعرب مباشرة، وحاصل لغيرهم من أهل النظر والتأمل إذا تدبروا في عجز البلغاء من أهل اللسان الذي جاء به القرآن، فهؤلاء يوقنون بأن عجز بلغاء أهل ذلك اللسان عن معارضته دال على أنه فوق مقدرتهم؛ فالمشركون شبهوا بالموتى بالنظر إلى الأثر الأول، وشبهوا بالصم بالنظر إلى الأثر الثاني، فحصلت استعارتان‏.‏ ونفي الإسماع فيهما ترشيحان للاستعارتين وهما مستعاران لانتفاء معالجة إبلاغهم‏.‏

ولأجل اعتبار كلا الأثرين المبنيّ عليه ورود تشبيهين كرر ذكر الترشيحين فعطف ‏{‏ولا تسمع الصم‏}‏ على ‏{‏لا تسمع الموتى‏}‏، ولم يكتف بأن يقال‏:‏ إنك لا تسمع الموتى ولا الصم‏.‏

وتقييد الصم بزمان توليهم مدبرين لأن تلك الحالة أوغل في انتفاء إسماعهم لأن الأصم إذا كان مواجهاً للمتكلم قد يسمع بعض الكلام بالصراخ ويستفيد بقيته بحركة الشفتين، فأما إذا ولى مدبراً فقد ابتعد عن الصوت ولم يلاحظ حركة الشفتين فذلك أبعد له عن السمع‏.‏

واستدلت عائشة رضي الله عنها بهذه الآية على رد ظاهر حديث ابن عمر‏:‏ «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف على قليب بدر وفيه قتلى المشركين فناداهم بأسمائهم وقال‏:‏ هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً، قال ابن عمر‏:‏ فقيل له‏:‏ يا رسول الله أتنادي أمواتنا فقال‏:‏ إنهم الآن يسمعون ما أقول لهم»‏.‏ فقالت عائشة‏:‏ إنما قال النبي صلى الله عليه وسلم إنهم الآن ليعلمون أن الذي كنت أقول لهم هو الحق ثم قرأت ‏{‏إنك لا تسمع الموتى‏}‏ حتى قرأت الآية‏.‏

وهذا من الاستدلال بظاهر الدلالة من القرآن ولو باحتمال مرجوح كما بيناه في المقدمة التاسعة‏.‏ وإلا فإن الموتى هنا استعارة وليس بحقيقة‏.‏

وضميرا ‏{‏ولوا مدبرين‏}‏ عائدان إلى الصم، وهو تتميم للتشبيه حيث شبهوا في عدم بلوغ الأقوال إلى عقولهم بصم ولوا مدبرين، فإن المدبر يبعد عن مكان من يكلمه فكان أبعد عن الاستماع كما تقدم آنفاً‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏81‏]‏

‏{‏وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآَيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ ‏(‏81‏)‏‏}‏

‏{‏مُدْبِرِينَ * وَمَآ أَنتَ بِهَادِى العمى عَن ضلالتهم إِن تُسْمِعُ إِلاَّ مَن يُؤْمِنُ‏}‏‏.‏

كرر تشبيه المشركين في إعراضهم عن الحق بأن شبهوا في ذلك بالعمي بعد أن شبهوا بالموتى وبالصم على طريقة الاستعارة إطناباً في تشنيع حالهم الموصوفة على ما هو المعروف عند البلغاء في تكرير التشبيه كما تقدم عند قوله تعالى ‏{‏أو كصيب من السماء‏}‏ في سورة البقرة ‏(‏19‏)‏‏.‏

وحسن هذا التكرير هنا ما بين التشبيهين من الفروق مع اتحاد الغاية؛ فإنهم شبهوا بالموتى في انتفاء إدراك المعاني الذي يتمتع به العقلاء، وبالصم في انتفاء إدراك بلاغة الكلام الذي يضطلع به بلغاء العرب‏.‏ وشبهوا ثالثاً بالعمي في انتفاء التمييز بين طريق الهدى وطريق الضلال من حيث إنهم لم يتبعوا هدي دين الإسلام‏.‏ والغاية واحدة وهي انتفاء اتباعهم الإسلام ففي تشبيههم بالعمي استعارة مصرحة، ونفي إنقاذهم عن ضلالتهم ترشيح للاستعارة لأن الأعمى لا يبلغ إلى معرفة الطريق بوصف الواصف‏.‏

والهدى‏:‏ الدلالة على طريق السائر بأن يصفه له فيقول مثلاً‏:‏ إذا بلغت الوادي فخذ الطريق الأيمن‏.‏

والذي يسلك بالقوافل مسالك الطرق يسمى هادياً‏.‏

والتوصل إلى معرفة الطريق يسمى اهتداء‏.‏ وهذا الترشيح هو أيضاً مستعار لبيان الحق والصواب للناس، والأعمى غير قابل للهداية بالحالتين حالة الوصف وهي ظاهرة، وحالة الاقتياد فإن العرب لم يكونوا يأخذون العمي معهم في أسفارهم لأنهم يعرقلون على القافلة سيرها‏.‏

وقوله ‏{‏عن ضلالتهم‏}‏ يتضمن استعارة مكنية قرينتها حالية‏.‏ شبه الدين الحق بالطريق الواضحة، وإسناد الضلالة إلى سالكيه ترشيح لها وتخييل، والضلالة أيضاً مستعارة لعدم إدراك الحق تبعاً للاستعارة المكنية، وأطلقت هنا على عدم الاهتداء للطريق، وضمير ‏{‏ضلالتهم‏}‏ عائد إلى العمي، ولتأتي هذه الاستعارة الرشيقة عدل عن تعليق ما حقه أن يعلق بالهدي فعلق به ما يقتضيه نفي الهدي من معنى الصرف والمباعدة‏.‏ فقيل ‏{‏عن ضلالتهم‏}‏ بتضمين ‏{‏هادي‏}‏ معنى صارف‏.‏ فصار‏:‏ ما أنت بهاد، بمعنى‏:‏ ما أنت بصارفهم عن ضلالتهم كما يقال‏:‏ سقاه عن العيمة، أي سقاه صارفاً له عن العيمة، وهي شهوة اللبن‏.‏

وعدل في هذه الجملة عن صيغتي النفيين السابقين في قوله ‏{‏إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏ 80‏]‏ الواقعين على مسندين فعليين، إلى تسليط النفي هنا على جملة اسمية للدلالة على ثبات النفي‏.‏ وأكد ذلك الثبات بالباء المزيدة لتأكيد النفي‏.‏

ووجه إيثار هذه الجملة بهاذين التحقيقين هو أنه لما أفضى الكلام إلى نفي اهتدائهم وكان اهتداؤهم غاية مطمح الرسول صلى الله عليه وسلم كان المقام مشعراً ببقية من طمعه في اهتدائهم حرصاً عليهم فأكد له ما يقلع طمعه، وهذا كقوله تعالى ‏{‏إنك لا تهدي من أحببت‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 56‏]‏ وقوله

‏{‏وما أنت عليهم بجبار‏}‏ ‏[‏ق‏:‏ 45‏]‏‏.‏ وسيجيء في تفسير نظير هذه الآية من سورة الروم توجيه لتعداد التشابيه الثلاثة زائداً على ما هنا فانظره‏.‏

وقرأ حمزة وحده ‏{‏وما أنت تهدي‏}‏ بمثناه فوقيه في موضع الموحدة وبدون ألف بعد الهاء‏.‏

‏{‏ضلالتهم إِن تُسْمِعُ إِلاَّ مَن يُؤْمِنُ بھاياتنا فَهُم‏}‏‏.‏

استئناف بياني لترقب السامع معرفة من يهتدون بالقرآن‏.‏

والإسماع مستعمل في معناه المجازي كما تقدم‏.‏

وأوثر التعبير بالمضارع في قوله ‏{‏من يؤمن‏}‏ ليشمل من آمنوا من قبل فيفيد المضارع استمرار إيمانهم ومن سيؤمنون‏.‏

وقد ظهر من التقسيم الحاصل من قوله ‏{‏إنك لا تسمع الموتى‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏ 80‏]‏ إلى هنا، أن الناس قسمان منهم من طبع الله على قلبه وعلم أنه لا يؤمن حتى يعاجله الهلاك، ومنهم من كتب الله له السعادة فيؤمن سريعاً أو بطيئاً قبل الوفاة‏.‏

وفرع عليه ‏{‏فهم مسلمون‏}‏ المفيد للدوام والثبات لأنهم إذا آمنوا فقد صار الإسلام راسخاً فيهم ومتمكناً منهم، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏82‏]‏

‏{‏وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآَيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ ‏(‏82‏)‏‏}‏

هذا انتقال إلى التذكير بالقيامة وما ادخر لهم من الوعيد‏.‏ فهذه الجملة معطوفة على الجمل قبلها عطف قصة على قصة‏.‏ ومناسبة ذكرها ما تقدم من قوله ‏{‏إنك لا تسمع الموتى‏}‏ إلى قوله ‏{‏عن ضلالتهم‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏ 80، 81‏]‏‏.‏ والضمير عائد إلى الموتى والصم والعمي وهم المشركون‏.‏

و ‏{‏القول‏}‏ أريد به أخبار الوعيد التي كذبوها متهكمين باستبطاء وقوعها بقولهم ‏{‏متى هذا الوعد إن كنتم صادقين‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏ 71‏]‏، فالتعريف فيه للعهد يفسره المقام‏.‏

والوقوع مستعار لحلول وقته وذلك من وقت تهيؤ العالم للفناء إلى أن يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار‏.‏

والآية تشير إلى شيء من أشراط حلول الوعيد الذي أنذروا به وهو الوعيد الأكبر يعني وعيد البعث، فتشير إلى شيء من أشراط الساعة وهو من خوارق العادات‏.‏ والتعبير عن وقوعه بصيغة الماضي لتقريب زمن الحال من المضي، أي أشرف وقوعه، على أن فعل المضي مع ‏(‏إذا‏)‏ ينقلب إلى الاستقبال‏.‏

والدابة‏:‏ اسم للحي من غير الإنسان، مشتق من الدبيب، وهو المشي على الأرض وهو من خصائص الأحياء‏.‏ وتقدم الكلام على لفظ ‏{‏دابة‏}‏ في سورة الأنعام ‏(‏38‏)‏‏.‏ وقد رويت في وصف هذه الدابة ووقت خروجها ومكانه أخبار مضطربة ضعيفة الأسانيد فانظرها في «تفسير القرطبي» وغيره إذ لا طائل في جلبها ونقدها‏.‏

وإخراج الدابة من الأرض ليريهم كيف يحي الله الموتى إذ كانوا قد أنكروا البعث‏.‏ ولا شك أن كلامها لهم خطاب لهم بحلول الحشر‏.‏ وإنما خلق الله الكلام لهم على لسان دابة تحقيراً لهم وتنديماً على إعراضهم عن قبول أبلغ كلام وأوقعه من أشرف إنسان وأفصحه، ليكون لهم خزياً في آخر الدهر يعيرون به في المحشر‏.‏ فيقال‏:‏ هؤلاء الذين أعرضوا عن كلام رسول كريم فخوطبوا على لسان حيوان بهيم‏.‏ على نحو ما قيل‏:‏ استفادة القابل من المبدإ تتوقف على المناسبة بينهما‏.‏

وجملة ‏{‏إن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون‏}‏ تعليل لإظهار هذا الخارق للعادة حيث لم يوقن المشركون بآيات القرآن فجعل ذلك إلجاء لهم حين لا ينفعهم‏.‏

وقرأ الجمهور ‏{‏إن الناس‏}‏ بكسر همزة ‏(‏إن‏)‏، وموقع ‏(‏إن‏)‏ في مثل هذا التعليل‏.‏ وقرأ عاصم وحمزة والكسائي ‏{‏أن الناس‏}‏ بفتح الهمزة وهي أيضاً للتعليل لأن فتح همزة ‏(‏أن‏)‏ يؤذن بتقدير حرف جر وهو باء السببية، أي تكلمهم بحاصل هذا وهو المصدر‏.‏ والمعنى‏:‏ أنها تسجل على الناس وهم المشركون عدم تصديقهم بآيات الله‏.‏ وهو تسجيل توبيخ وتنديم لأنهم حينئذ قد وقع القول عليهم ف ‏{‏لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 158‏]‏‏.‏ وحمل هذه الجملة على أن تكون حكاية لما تكلمهم به الدابة بعيد‏.‏